كيف إنحرف مفهوم التقليد؟ سنة التقليد والإجتهاد :جزء الرابع(سلسلة سقيفة الغيبة)

كيف إنحرف مفهوم التقليد؟ سنة التقليد والإجتهاد :جزء الثالث(سلسلة سقيفة الغيبة)

توضيح

البحث ليس ضد مبدأ الرجوع إلى أهل الخبرة، بل يهدف لبيان كيف انحرف التقليد في زماننا عما أراده أهل البيت (ع). وهو مكمل لبحث “كيف تغيرت هوية التشريع في عصر الغيبة الكبرى؟” اطلع عليه لتكتمل لديك الصورة.

تلخيص الأجزاء السابقة

سقيفة الغيبة: تكشف هذه السلسلة سنن الأمم السابقة التي تتكرر على مدار السنين مصداقا لقول النبي(ص) “والذي نفسي بيده لتركبن سنن من كان قبلكم حتى لا تخطؤون طريقهم، ولا يخطئكم سنة بني إسرائيل.” والهدف هو تجنب هذه السنن. نستعرض اليوم تاريخ انحراف مفهوم “التقليد” عند بني إسرائيل، وهل أتبعت امه محمد(ص) النهج نفسه؟

العصيان وأثره في وقوع الغيبة (سنة الغيبة والتية):
عند بني إسرائيل:
أدى عصيانهم المستمر لأنبيائهم إلى غياب الأنبياء عنهم.
عند الشيعة:
تسبب عصيان الشيعة للإمام المهدي (ع) خلال الغيبة الصغرى في استحقاق الغضب ووقوع الغيبة الكبرى.

انقلاب العلماء عند الظهور (سنة التكذيب):
عند بني إسرائيل:
انقلبوا على نبينا محمد (ص) رغم طول انتظارهم لظهوره.
عند الشيعة:
سيعارضون الإمام المهدي (ع) وينقلبون عليه عند ظهوره، وفقاً لما ورد في روايات أهل البيت (ع).

مامعنى التقليد والاجتهاد؟

التقليد : هو أخذ المكلف لفتاوى العالم في الفروع التعبدية (كالصلاة والصوم) دون تمحيص و مطالبة بالدليل ، نتيجة جهله بأدوات استنباط الأحكام.
الاجتهاد : طاقة علمية يمتلكها الفقيه، تُمكنه من بذل الجهد لاستنباط الأحكام الشرعية الفرعية أو الوظائف العملية من أدلتها التفصيلية (الكتاب، السنة، الإجماع، والعقل)

تُشدد المدرسة الأصولية المتصدرة للمرجعية الشيعية اليوم على وجوب التقليد، ويرجع السبب إلى تعقيد منهج الاستنباط الديني لديهم الذي يصعب أن يتقنه الكثير؛ حيث تشترط على من لايريد التقليد دراسة علوم المنطق والرجال و الأصول لسنين طويلة ليصل إلى مرحلة الاجتهاد ليتمكن من إستنباط أحكام الدين بنفسه.

نقلا عن موقع مكتب السيد السيستاني:
"التقليد: هو العمل مطابقاً لفتوى الفقيه الجامع للشرائط وإن لم تستند إليها حين العمل، فتفعل ما انتهى رأيه إلى فعله، وتترك ما انتهى رأيه إلى تركه، من دون تمحيص منك ، فكأنك وضعت عملك في رقبته كالقلادة، محمّلاً إياه مسؤولية عملك أمام الله."

مصدر:كتاب الفقه للمغتربين -ص 65

قال السيد الخميــــني:
اعلم أنّه يجب على كلّ مكلّف غير بالغ مرتبة الاجتهاد في غير الضروريات من عباداته ومعاملاته ولو في المستحبّات و المباحات، أن يكون إمّا مقلّداً أو محتاطاً بشرط أن يعرف موارد الاحتياط، ولا يعرف ذلك إلّاالقليل؛ فعمل العامّي غير العارف بمواضع الاحتياط من غير تقليد باطل

مصدر:تحرير الوسيلة ج1 ص3

هل هناك تقليد في زمن أهل البيت؟

التقليد قائمٌ على أخذ المكلف الفتوى المجردة من العالم دون معرفة النص الشرعي الذي استندت عليها الفتوى، وهذا ما لم يكن له وجودٌ في زمن الأئمة (ع).

الفارق الجوهري: كان المكلف يتلقى الحكم مقترناً بدليله الروائي ليحصل له العلم واليقين، وهذا يناقض مفهوم التقليد الذي يلزم الاتباع دون معرفة الدليل. وكانوا أصحاب الائمة ينقلوا نص الحكم من دون طرح ارائهم وليس كحال الفتوى المعاصرة هي نتاج استنباطٍ أصولي معقد وظني (كعلم الرجال والأصول) وقد بينا في البحث السابق موقف أهل البيت منها.

ورغم ذلك، تبيّن روايات أهل البيت أن التقليد مباح لفئة محددة فقط من الشيعة، فمن هـــــــــم؟ وهل نحن منهـــــــــــــم؟

قال الشيخ محمد رضا المظفر:
أما عند الشيعة الإمامية. فقد شهد عصر النص في حياة أئمة أهل البيت...ولا سيما منذ عصر الصادقين (ع)...فقد اتسعت المساحة الجغرافية التي يتواجد فيها أتباع أهل البيت (ع)...ولم يكن يتيسر لهم الرجوع إلى أئمة أهل البيت (ع) للسؤال عنهم فيما يشكل عليهم من شؤون دينهم...فكان أئمة أهل البيت (ع) ينصبون لهم رواة أحاديثهم وعلماء مدرستهم ممن أخذوا علم رسول الله (ص) منهم، وكانوا يأمرون شيعتهم بالرجوع إليهم

مصدر:أصول الفقة ج1 ص 11

قال السيد الخمينــــــي:
و قد يستدل لجواز الرجوع إلى المقلد بان الاجتهاد بهذا المعنى المتعارف في زماننا لم يكن في الصدر الأول بل المحدثون فيه مثل المقلدين الآخذين أحكام اللَّه من الفقهاء فقوله في المقبولة: «ممن روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا» ليس المراد منه المجتهد أي من له قوة الاستنباط بالمعنى المعهود في أعصارنا لعدم وجوده في زمان الأئمة (عليهم السّلام) ، بل المراد منه من علم الأحكام بأخذ المسائل من الإمام أو الفقيه كما كان كذلك في تلك الأزمنة. فمعرفة الأحكام في العصر الأول كانت سهلة لعدم الاحتياج إلى كثير من مقدمات الاجتهاد

مصدر:الإجتهاد والتقليد-ص116.

من هم العوام لدى أهل البيت؟

الرواية الوحيدة التي صرحت بجواز التقليد هي رواية تفسير الإمام العسكري (ع) في آية {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ}:
عرفت “العوام” بـ «الأميين الذين لا يقرؤون ولا يكتبون ولا حيلة لهم لتعلم الأحكام إلا بتقليد علمائهم».

الفارق الجوهري: الأصوليون يعرفون العامي بأنه “من يجهل علم الأصول” ويوجبون عليه التقليد، بينما أهل البيت عرفوا العامي بـ “الأمي” وجعلوا التقليد له رخصة ومباحاً بشروط لا واجباً مطلقاً!

قال الإمام العسكري في تفسير الاية:
{ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ } * { فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ }
517/ [1]- قال الإمام العسكري (عليه السلام): " قال الله عز و جل: يا محمد، و من هؤلاء اليهود { أُمِّيُّونَ } لا يقرءون الكتاب و لا يكتبون، فالأمي منسوب إلى أمه، أي هو كما خرج من بطن أمه لا يقرأ و لا يكتب { لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَابَ } المنزل من السماء و لا المكذب به، و لا يميزون بينهما { إِلاَّ أَمَانِيَّ } أي إلا أن يقرأ عليهم، و يقال لهم:

إن هذا كتاب الله و كلامه، و لا يعرفون إن قرئ من الكتاب خلاف ما فيه { وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ } أي ما يقول لهم رؤساؤهم من تكذيب محمد في نبوته، و إمامة علي سيد عترته،
و هم يقلدونهم مع أنه محرم عليهم تقليدهم ".

قال: " فقال رجل للصادق (عليه السلام): فإذا كان هؤلاء القوم لا يعرفون الكتاب إلا بما يسمعونه من علمائهم لا سبيل لهم إلى غيره، فكيف ذمهم بتقليدهم و القبول من علمائهم؟ و هل عوام اليهود إلا كعوامنا يقلدون علماءهم، فإن لم يجز لأولئك القبول من علمائهم، لم يجز لعوامنا القبول من علمائهم؟

فقال (عليه السلام): بين عوامنا و علمائنا و بين عوام اليهود و علمائهم فرق من جهة، و تسوية من جهة، أما من حيث إنهم استووا، فإن الله قد ذم عوامنا بتقليدهم علماءهم، كما قد ذم عوامهم، و أما من حيث أنهم افترقوا فلا. قال: بين لي ذلك، يا ابن رسول الله.

قال (عليه السلام): إن عوام اليهود كانوا قد عرفوا علماءهم بالكذب الصراح، و بأكل الحرام و الرشا، و بتغيير الأحكام عن واجبها بالشفاعات و العنايات و المصانعات، و عرفوهم بالتعصب الشديد الذي يفارقون به أديانهم، و أنهم إذا تعصبوا أزالوا حقوق من تعصبوا عليه، و أعطوا ما لا يستحقه من تعصبوا له من أموال غيرهم، و ظلموهم من أجلهم، و عرفوهم بأنهم يقارفون المحرمات، و اضطروا بمعارف قلوبهم إلى أن من فعل ما يفعلونه فهو فاسق، لا يجوز أن يصدق على الله تعالى، و لا على الوسائط بين الخلق و بين الله، فلذلك ذمهم لما قلدوا من قد عرفوا ، و من قد علموا أنه لا يجوز قبول خبره، و لا تصديقه في حكايته، و لا العمل بما يؤديه إليهم عمن لم يشاهدوه، و وجب عليهم النظر بأنفسهم في أمر رسول الله (صلى الله عليه و آله) إذ كانت دلائله أوضح من أن تخفى، و أشهر من أن لا تظهر لهم.

و كذلك عوام أمتنا، إذا عرفوا من فقهائهم الفسق الظاهر، و العصبية الشديدة، و التكالب على حطام الدنيا و حرامها، و إهلاك من يتعصبون عليه، و إن كان لإصلاح أمره مستحقا، و بالترفرف بالبر و الإحسان على من تعصبوا له، و إن كان للإذلال و الإهانة مستحقا، فمن قلد من عوامنا مثل هؤلاء الفقهاء فهم مثل اليهود الذين ذمهم الله تعالى بالتقليد لفسقة فقهائهم.

فأما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه، حافظا لدينه، مخالفا لهواه، مطيعا لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه، و ذلك لا يكون إلا في بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم، فإنه من ركب من القبائح و الفواحش مراكب فسقة فقهاء العامة فلا تقبلوا منهم عنا شيئا، و لا كرامة لهم، و إنما كثر التخليط فيما يتحمل عنا أهل البيت لذلك، لأن الفسقة يتحملون عنا فيحرفونه بأسره لجهلهم، و يضعون الأشياء على غير وجهها لقلة معرفتهم، و آخرين يتعمدون الكذب علينا ليجروا من عرض الدنيا ما هو زادهم إلى نار جهنم.

و منهم قوم نصاب لا يقدرون على القدح فينا، يتعلمون بعض علومنا الصحيحة فيتوجهون به عند شيعتنا، و ينتقصون بنا عند نصابنا، ثم يضيفون إليه أضعافه و أضعاف أضعافه من الأكاذيب علينا التي نحن براء منها، فيتقبله المسلمون المستسلمون من شيعتنا على أنه من علومنا فضلوا و أضلوا، و هم أضر على ضعفاء شيعتنا من جيش يزيد- عليه اللعنة و العذاب- على الحسين بن علي (عليه السلام) و أصحابه، فإنهم يسلبونهم الأرواح و الأموال، و للمسلوبين عند الله أفضل الأحوال لما لحقهم من أعدائهم.

و هؤلاء علماء السوء الناصبون المشبهون بأنهم لنا موالون، و لأعدائنا معادون، يدخلون الشك و الشبهة على ضعفاء شيعتنا، فيضلونهم و يمنعونهم عن قصد الحق المصيب، لا جرم أن من علم الله من قلبه من هؤلاء العوام أنه لا يريد إلا صيانة دينه و تعظيمه وليه، لم يتركه في يد هذا الملبس الكافر، و لكنه يقيض له مؤمنا يقف به على الصواب، ثم يوفقه الله للقبول منه، فيجمع له بذلك خير الدنيا و الآخرة، و يجمع على من أضله لعن الدنيا و عذاب الآخرة ".

تفسير البرهان في تفسير القرآن/ هاشم الحسيني البحراني سورة البقرة

شروط تقليـــــــــــد الأمي “العامي” للعلماء

نفهم من الرواية أن التقليد أُبيح كرخصة حصرية للأميّ الذي لا يستطيع القراءة والتعلم، ليكون اتباعه مقصوراً على سماع “النصوص الشرعية” المنقولة لا الاستسلام للآراء والاجتهادات. ورغم هذه الرخصة، اشترط الإمام الصادق (ع) على هذا العامي شرطاً حازماً وهو «التمحيص والتحقق» من صفات العالم الظاهرة؛ فمن عرف من فقهائه الفسق الظاهر حرّم تقليده قطعا.

وهنا يُطرح تساؤل: إذا كان «الأمي» مكلفاً بالتمحيص والتدقيق في سلوك العالم قبل أخذ النص عنه، فكيف يُعذر القارئ المتعلم والمستطيع للبحث أن يسلم عقله للتقليد الأعمى؟

517/ [1]- قال الإمام العسكري (عليه السلام): " قال الله عز و جل: يا محمد، و من هؤلاء اليهود { أُمِّيُّونَ } لا يقرءون الكتاب و لا يكتبون، فالأمي منسوب إلى أمه، أي هو كما خرج من بطن أمه لا يقرأ و لا يكتب { لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَابَ } المنزل من السماء و لا المكذب به، و لا يميزون بينهما { إِلاَّ أَمَانِيَّ } أي إلا أن يقرأ عليهم، و يقال لهم:

إن هذا كتاب الله و كلامه، و لا يعرفون إن قرئ من الكتاب خلاف ما فيه { وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ } أي ما يقول لهم رؤساؤهم من تكذيب محمد في نبوته، و إمامة علي سيد عترته،
و هم يقلدونهم مع أنه محرم عليهم تقليدهم ".

قال: " فقال رجل للصادق (عليه السلام): فإذا كان هؤلاء القوم لا يعرفون الكتاب إلا بما يسمعونه من علمائهم لا سبيل لهم إلى غيره، فكيف ذمهم بتقليدهم و القبول من علمائهم؟ و هل عوام اليهود إلا كعوامنا يقلدون علماءهم، فإن لم يجز لأولئك القبول من علمائهم، لم يجز لعوامنا القبول من علمائهم؟


فقال (عليه السلام): بين عوامنا و علمائنا و بين عوام اليهود و علمائهم فرق من جهة، و تسوية من جهة، أما من حيث إنهم استووا، فإن الله قد ذم عوامنا بتقليدهم علماءهم، كما قد ذم عوامهم، و أما من حيث أنهم افترقوا فلا. قال: بين لي ذلك، يا ابن رسول الله.

قال (عليه السلام): إن عوام اليهود كانوا قد عرفوا علماءهم بالكذب الصراح، و بأكل الحرام و الرشا، و بتغيير الأحكام عن واجبها بالشفاعات و العنايات و المصانعات، و عرفوهم بالتعصب الشديد الذي يفارقون به أديانهم، و أنهم إذا تعصبوا أزالوا حقوق من تعصبوا عليه، و أعطوا ما لا يستحقه من تعصبوا له من أموال غيرهم، و ظلموهم من أجلهم، و عرفوهم بأنهم يقارفون المحرمات، و اضطروا بمعارف قلوبهم إلى أن من فعل ما يفعلونه فهو فاسق، لا يجوز أن يصدق على الله تعالى، و لا على الوسائط بين الخلق و بين الله، فلذلك ذمهم لما قلدوا من قد عرفوا ، و من قد علموا أنه لا يجوز قبول خبره، و لا تصديقه في حكايته، و لا العمل بما يؤديه إليهم عمن لم يشاهدوه، و وجب عليهم النظر بأنفسهم في أمر رسول الله (صلى الله عليه و آله) إذ كانت دلائله أوضح من أن تخفى، و أشهر من أن لا تظهر لهم.

و كذلك عوام أمتنا، إذا عرفوا من فقهائهم الفسق الظاهر، و العصبية الشديدة، و التكالب على حطام الدنيا و حرامها، و إهلاك من يتعصبون عليه، و إن كان لإصلاح أمره مستحقا، و بالترفرف بالبر و الإحسان على من تعصبوا له، و إن كان للإذلال و الإهانة مستحقا،

تفسير البرهان في تفسير القرآن/ هاشم الحسيني البحراني سورة البقرة

ما هو دليل الأصوليين على وجوب التقليد؟

على الرغم من التشديد الأصولي على وجوب التقليد، إلا أن الأصولية يعترفون بغياب الدليل الروائي الصريح الذي يوجبه وحتى إن الرواية الوحيدة الواردة عن الإمام العسكري (ع) عن التقليد هي رواية مرسلة غير قابلة للاعتماد عليها أصولياً.

وبالتالي، يرتكز الأصوليون على الدليل العقلي القائل بوجوب رجوع الجاهل إلى العالم في المسائل الفقهية، وهذا أمرٌ مشروع في الدين؛ لكن التوظيف الأصولي لهذه القاعدة يقع في مغالطة؛ فالرجوع المشروع شرعاً إنما هو رجوع الشخص إلى “الراوي” المنقاد لنص المعصوم، وليس الرجوع لـ “المجتهد” الذي يستنبط أحكامه عبر أدوات ظنية وقواعد أصولية أُخذت من أهل الخلاف وحرّم أهل البيت استخدامها.

قال السيد الخوئي:
ثم ان التكلم في مفهوم التقليد لا يكاد أن يترتب عليه ثمرة فقهية أللهم إلا في النذر. وذلك لعدم وروده في شى من الروايات. نعم ورد في رواية الاحتجاج فأما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه، حافظا لدينه مخالفا على هواه. مطيعا لامر مولاه فللعوام أن يقلدوه إلا أنها رواية مرسلة غير قابلة للاعتماد عليها

مصدر:كتاب الاجتهاد والتقليد الجزء : 1 صفحة : 81

قال السيد الخوئي:
إن لزوم كون المكلف في جميع أفعاله وتروكه مقلدا أو محتاطا أو مجتهدا إنما هو بحكم العقل

مصدر: كتاب الإجتهاد والتقليد-ص76

قال العلامة محمد مهدي شمس الدين:
مصـــــــــــــــطلح تقليد ومصطلح مرجعية...غير موجودين في أي نص شرعي وإنما هما مستحدثان...ليس لهما في الأخبار والآثار فضلاً عن الكتاب الكريم لا عين ولا أثر. كل ما هو موجود بالنــــــــسبة لمادة قلّد موجود في خبر ضعيف لا قيمة له من الناحية الاستنباطية إطلاقاً وهو المرسل الشهير عن أبي الحسن عن أبي محمد الحسن العسكري (ع) ...الموجود في الشرع ليس التقليد. الموجود هو الاتباع...هو التفقه. الإنسان الجاهل أو العامي هو ليس متبعاً للفقيه، هو متبع للشريعة... ولذلك مفهوم تقليد هو مفهوم دخيل.

مصدر:الاجتهاد والتجديد في الفقه الاسلامي:ج: 1:ص 142-143

أدلة الأصوليين على جواز التقليد و الإجتهاد

مع غياب النص الصريح على جواز التقليد والاجتهاد، لجأ الأصوليون للأدلة التالية وسنقتصر فقط على أشهر الأدلة المعتمدة لديهم.

اية السؤال

قال الله تعالى : وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ ۚ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ

[النحل: 43]

الرد: بحسب الأحاديث المتواترة الواردة عن أهل البيت (ع) في تفسير الآية، فإن “أهل الذكر” هم النبــــي وآله الأطهار (ع) حصراً، وليست كما يقال بأن الآية عن سؤال الفقهاء والمجتهدين، وحتى إن كان معناها كما يقولون فلا تعطي الآية أحقية للفقيه أن يفتي وفقاً لأدوات الأصول الظنية، وإنما عليه أن ينقل الأحكام كما جاءت عن أهل البيت، بقول الإمام الصادق (ع):

بقول الإمام الصادق (ع): (إياكم وتقحم المهالك باتباع الهوى والمقاييس، قد جعل الله للقرآن أهلاً أغناكم بهم عن جميع الخلائق، لا علم إلا ما أمروا به، قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، إيانا عنى).

بحار الانوار ص312 ج2

اية النفر

قال الله تعالى : وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ

[التوبة: 122]

قال الإمام الصادق (ع) في تفسيرها: (فأمرهم أن ينفروا إلى رسول الله (ص) ويختلفوا إليه فيتعلموا ثم يرجعوا إلى قومهم فيعلموهم)

معاني الأخبار للصدوق ج 1 ص 157

، وهذا يعني أن الذين نفروا سينقلون ما سمعوه لقومهم (نقل النص)، وليس الاستنباط بالظنون والآراء كما هو حال نهج الأصوليين. فالآيةُ تُوجب قبول البلاغ والنقل، لا قبول الفتوى الناتجة عن الاجتهاد بأدوات الأصول ووجوب التقليد المتعارف شكله عند الأصوليين.

علينا إلقاء الأصول وعليكم التفريع

قول الإمام الصادق (ع) “علينا إلقاء الأصول وعليكم التفريع”

وسائل الشيعة - ط الإسلامية، ج 18، ص 41 | الشيخ حرّ العاملي


إنّ أول معنــــــــــى يُستبعــــد من هذه الرواية هو جواز استخدام علم الأصول أو الاستنباط الظني المأخوذ من علوم المخالفين؛ لأن أهل البيت (ع) —كما بينا في البحث السابق— كانوا يحاربون منهج الأصولية، ولهم مناظرات حادة مع المذاهب الأخرى التي كانت تستخدم الأدوات الأصولية ذاتها التي يعتمدها الأصوليون الشيعة اليوم، فلا يُعقل أن يأمروا بما نهوا عنه.

وعليه يحتمل معنى الرواية هو أن الأئمة يُلقون أحاديث ذات قواعد كلية

(مثل: قال الإمام الصادق(ع) «كل شيء مطلق حتى يرد فيه نهي»)

المفيد في شرح أصول الفقه ج 2 ص 45

فهذا الحديث يعتبر أصل ويكون “التفريع” اخذ الحكم الجزئي من قاعدة الكلية.فمن خلال هذا الحديث مثلاً، يُفهم أن استخدام الأجهزة وغيرها من مستحدثات العصر حلال؛ لعدم ورود دليل على تحريمها.

وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا

4- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِصَامٍ الْكُلَيْنِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ‌ چ الْكُلَيْنِيُّ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ يَعْقُوبَ قَالَ: سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عُثْمَانَ الْعَمْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْ يُوصِلَ لِي كِتَاباً قَدْ سَأَلْتُ فِيهِ عَنْ مَسَائِلَ أَشْكَلَتْ عَلَيَّ فَوَرَدَتْ فِي التَّوْقِيعِ بِخَطِّ مَوْلَانَا صَاحِبِ الزَّمَانِ ع‌

أَمَّا مَا سَأَلْتَ عَنْهُ أَرْشَدَكَ اللَّهُ وَ ثَبَّتَكَ مِنْ أَمْرِ الْمُنْكِرِينَ لِي مِنْ أَهْلِ بَيْتِنَا وَ بَنِي عَمِّنَا فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ بَيْنَ أَحَدٍ قَرَابَةٌ وَ مَنْ أَنْكَرَنِي فَلَيْسَ مِنِّي وَ سَبِيلُهُ سَبِيلُ ابْنِ نُوحٍ ع أَمَّا سَبِيلُ عَمِّي جَعْفَرٍ وَ وُلْدِهِ فَسَبِيلُ إِخْوَةِ يُوسُفَ ع أَمَّا الْفُقَّاعُ فَشُرْبُهُ حَرَامٌ وَ لَا بَأْسَ بِالشَّلْمَابِ‌ وَ أَمَّا أَمْوَالُكُمْ فَلَا نَقْبَلُهَا إِلَّا لِتَطَهَّرُوا فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصِلْ وَ مَنْ شَاءَ فَلْيَقْطَعْ‌ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ‌ وَ أَمَّا ظُهُورُ الْفَرَجِ فَإِنَّهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَ كَذَبَ الْوَقَّاتُونَ وَ أَمَّا قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْحُسَيْنَ ع لَمْ يُقْتَلْ فَكُفْرٌ وَ تَكْذِيبٌ وَ ضَلَالٌ

وَ أَمَّا الْحَوَادِثُ الْوَاقِعَةُ فَارْجِعُوا فِيهَا إِلَى رُوَاةِ حَدِيثِنَا[1] فَإِنَّهُمْ حُجَّتِي عَلَيْكُمْ وَ أَنَا حُجَّةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ-

وَ أَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَمْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَ عَنْ أَبِيهِ مِنْ قَبْلُ فَإِنَّهُ ثِقَتِي وَ كِتَابُهُ كِتَابِي


وَ أَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مَهْزِيَارَ الْأَهْوَازِيُّ فَسَيُصْلِحُ اللَّهُ لَهُ قَلْبَهُ وَ يُزِيلُ عَنْهُ شَكَّهُ وَ أَمَّا مَا وَصَلْتَنَا بِهِ فَلَا قَبُولَ عِنْدَنَا إِلَّا لِمَا طَابَ وَ طَهُرَ وَ ثَمَنُ الْمُغَنِّيَةِ حَرَامٌ‌ وَ أَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ شَاذَانَ بْنِ نُعَيْمٍ فَهُوَ رَجُلٌ مِنْ شِيعَتِنَا أَهْلَ الْبَيْتِ وَ أَمَّا أَبُو الْخَطَّابِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي زَيْنَبَ الْأَجْدَعُ فَمَلْعُونٌ وَ أَصْحَابُهُ مَلْعُونُونَ فَلَا تُجَالِسْ أَهْلَ مَقَالَتِهِمْ فَإِنِّي مِنْهُمْ بَرِي‌ءٌ وَ آبَائِي ع مِنْهُمْ بِرَاءٌ

وَ أَمَّا الْمُتَلَبِّسُونَ بِأَمْوَالِنَا فَمَنِ اسْتَحَلَّ مِنْهَا شَيْئاً فَأَكَلَهُ فَإِنَّمَا يَأْكُلُ النِّيرَانَ وَ أَمَّا الْخُمُسُ فَقَدْ أُبِيحَ لِ شِيعَتِنَا وَ جُعِلُوا مِنْهُ فِي حِلٍّ إِلَى وَقْتِ ظُهُورِ أَمْرِنَا لِتَطِيبَ وِلَادَتُهُمْ وَ لَا تَخْبُثَ وَ أَمَّا نَدَامَةُ قَوْمٍ قَدْ شَكُّوا فِي دِينِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى مَا وَصَلُونَا بِهِ فَقَدْ أَقَلْنَا مَنِ اسْتَقَالَ وَ لَا حَاجَةَ فِي صِلَةِ الشَّاكِّينَ

وَ أَمَّا عِلَّةُ مَا وَقَعَ مِنَ الْغَيْبَةِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ‌ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ‌ إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنْ آبَائِي ع إِلَّا وَ قَدْ وَقَعَتْ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ لِطَاغِيَةِ زَمَانِهِ وَ إِنِّي أَخْرُجُ حِينَ أَخْرُجُ وَ لَا بَيْعَةَ لِأَحَدٍ مِنَ الطَّوَاغِيتِ فِي عُنُقِي وَ أَمَّا وَجْهُ الِانْتِفَاعِ بِي فِي غَيْبَتِي فَكَالانْتِفَاعِ بِالشَّمْسِ إِذَا غَيَّبَتْهَا عَنِ الْأَبْصَارِ السَّحَابُ وَ إِنِّي لَأَمَانٌ لِأَهْلِ الْأَرْضِ كَمَا أَنَّ النُّجُومَ أَمَانٌ لِأَهْلِ السَّمَاءِ فَأَغْلِقُوا بَابَ السُّؤَالِ عَمَّا لَا يَعْنِيكُمْ وَ لَا تَتَكَلَّفُوا عِلْمَ مَا قَدْ كُفِيتُمْ وَ أَكْثِرُوا الدُّعَاءَ بِتَعْجِيلِ الْفَرَجِ فَإِنَّ ذَلِكَ فَرَجُكُمْ وَ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا إِسْحَاقَ بْنَ يَعْقُوبَ وَ عَلى‌ مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى‌.

[2]. قيل: الحوادث الواقعة ما يحتاج فيه الى الحاكم كاموال اليتامى فيثبت فيه ولاية الفقيه. و ليس بشي‌ء، و الظاهر ما يتفق للناس من المسائل التي لا يعلمون حكمها فلا بد لهم أن يرجعوا فيها الى من يستنبطها من الأحاديث الواردة عنهم. و المراد برواة الحديث الفقهاء الذين يفقهون الحديث و يعلمون خاصّه و عامّه و محكمه و متشابهه؛ و يعرفون صحيحه من سقيمه، و حسنه من مختلقه، و الذين لهم قوّة التفكيك بين الصريح منه و الدخيل و تمييز الاصيل من المزيف المتقوّل. لا الذين يقرءون الكتب المعروفة و يحفظون ظاهرا من ألفاظه و لا يفهمون معناه و ليس لهم منّة الاستنباط و ان زعموا أنهم حملة الحديث.

اسم الکتاب : كمال الدين و تمام النعمة الجزء : 2 صفحة : 483 المؤلف : الشيخ الصدوق

أولاً: التوقيع ضعيف السند بناءً على علم الرجال، فإسحاق بن يعقوب مجهول، وهو ما أقر به الأصوليين (كالسيدين الخميني والخوئي)

قال الخميني:(الرواية من جهة إسحاق بن يعقوب غير معتبرة)

كتاب البيع ج2ص635

وبناءا على نهج الاصوليين فالرواية لا حجة لها بسبب ضعف سندها، إلا أنهم يتمسكون بها ويقبلونها.

ثانياً: لم يقل النص: “ارجعوا إلى المجتهدين أو أهل الرأي”. فإن قيل: “الحوادث الواقعة” هي الأمور الجديدة التي لا نصّ فيها (كحكم صلاة الجمعة في زمن الغيبة) لِيُسوّغ الأصولي استخدام أدوات الأصول الظنية، فالإمام حدد الصفة بوضوح: «رواة حديثنا»، والراوي ناقلٌ للحكم المسموع لا صاحب رأي واجتهاد. ثم كيف يأمر الإمام بالظن والاجتهاد وباب السفارة مفتوح للسؤال؟

ثالثا: اقتصرت المصنفات على نقل جواب التوقيع دون نص سؤال إسحاق بن يعقوب، مما يمنع الجزم بالمراد من “الحوادث الواقعة”؛ فيحتمل أنه سأل عن حوادث الفتن والمدعين للنيابة زوراً والتي كثرت في زمن السفير الثاني (محمد العمري)، فكان الجواب إرجاعه إلى “رواة الحديث” لمعرفة الحق، أو الإمام قصد برواة هم السفراء أنفسهم؛ لقرينة قوله المباشر بعدها: «وأما محمد بن عثمان العمري فرضي الله عنه… فإنه ثقتي وكتابه كتابي».

كيف زيـــــــف التقليد؟

لم يقتصر تزييف التقليد على تحويله من رخصةٍ خاصة بـ “الأميّين” إلى فرضٍ واجب على كل مكلف، وتعميم مسمى “العوام” على كل من لا يتقن الأصول، بل تعداه لابتداع مسمى «نائب الإمام». هذا العنوان منح المجتهد صلاحيات واسعة تفوق حتى صلاحيات السفراء الأربعة، ونقل دور الفقيه من مجرد ناقل للأحكام التعبدية إلى هيمنة مطلقة على السياسة والحياة الإجتماعية.
وهكذا تحول المجتهد إلى بديلٍ للإمام المعصوم يدير شؤون الشيعة قاطبة، وأصبح الآمر والناهي في القرار السياسي وإعلان الحرب أو السلم، وهي من الاختصاصات الإلهية الحصرية للمعصوم (ع)، مما أدى إلى انحراف مفهوم التقليد انحرافاً كلياً عن أصله الشرعي الأول.

قال المحقق البحراني:
كان (المحقق الكركي) من علماء دولة الشاه طهماسب الصفوي ، جعل أمور المملكة بيده ، وكتب رقما إلى جميع الممالك بامتثال ما يأمر به الشيخ المذكور وإن أصل الملك إنما هو له ، لأنه نائب الإمام (ع) ، فكان الشيخ يكتب إلى جميع البلدان كتبا بدستور العمل في الخراج ، وما ينبغي تدبيره في شؤون الرعية.

المصدر :لؤلؤة البحرين ص152

عبادة اليهود لعلمائهم

ضرب أهل البيت (ع) بني إسرائيل مثلاً لحرمة التقليد تحذيراً لنا من السير على طريقهم. فالقرآن بيّن أنهم «اتخذوا أحبارهم أرباباً»، لا لأنهم سجدوا لهم، بل لأنهم اتبعوا آرائهم في التحليل والتحريم وسلّموهم عقولهم دون مطالبتهم بدليل. فلم يبحثوا هل يحكم هؤلاء الأحبار بالتوراة أم يتبعون أهواءهم وظنونهم؟ وبسبب هذه الثقة انساقوا خلفهم وهم يظنون أنهم يتبعون الله، فكانت النتيجة هلاكهم وهم لا يشعرون. وهذا هو التجسيد الحقيقي للتقليد: أن تتبع أحكام غيرك دون تمحيص ولا دليل.

فما هو تاريخ بني إسرائيل مع التقليد؟

عن الإمام الصادق(ع)

إياكم و التقليد فإنه من قلد في دينه هلك إن الله تعالى يقول {اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَ رُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ} فلا و الله ما صلوا لهم و لا صاموا و لكنهم أحلوا لهم حراما و حرموا عليهم حلالا فقلدوهم في ذلك فعبدوهم و هم لا يشعرون

مصدر:تصحيح الاعتقاد – للشيخ المفيد ص : 73

عن أبي جعفـــــــــر ( عليه السلام )

وأمّا قوله أحبارهم ورهبانهم فإنّهم أطاعوهم وأخذوا بقولهم واتّبعوا ما أمروهم به ودانوا بما دعوهم إليه ، فاتّخذوهم أرباباً بطاعتهم لهم وتركهم أمر الله وكتبه ورسله ، فنبذوه وراء ظهورهم ، وما أمرهم به الأحبار والرهبان اتّبعوه وأطاعوهم وعصوا الله ، وإنّما ذُكر هذا في كتابنا لكي يُتّعظ به

المصدر: تفسير القمي 1 / 289 والبرهان 2 / 769 .

عن الإمام الباقر(ع)عن رسول الله (ص):

والذي نفسي بيده لتركبن سنن من كان قبلكم حتى لا تخطؤون طريقهم، ولا يخطئكم سنة بني إسرائيل.

مصدر:بحار الانوار-جزء 13 / صفحة [180]

مصادر التشريع عند اليهود

قبل التعمق في تاريخ اليهود وجب علينا توضيح مصادر تشريع اليهود .

الشريعة الكتابية

التوراة:وهي الالواح التي نزلت على موسى(ع) في جبل الطور
بعد إن نجا بني إسرائيل من بطش فرعون وأمر الله نبيه موسى(ع) أن يفترق عن بني إسرائيل لمدة 40 ليله وفيها نزلت عليه التوارة التي فيه شريعة الله, بقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ)

الشريعة الشفوية

التلمود:هي عبارة عن مجموعة من إجتهادات اليهود وأرائهم في شرح الشريعة الكتابية (التوراة)
كانت تتناقل شفهيا إلى أن تم البدء بتدوينها من عام 200 ميلادي الى 550 ميلادي وهي تنقسم إلى قسمين:

1- المنشا:تعد المنشا الجزء الرئيسي من التلمود وفيه يجمع كل أراء واجتهادات العلماء.وهي عبارة عن نصوص قانونية تنظم شؤون الحياة (الزراعة، الأعياد، الزواج، الطلاق، التجارة، والتعويضات, الخ)

2- الجمارا:هي عبارة عن نقاشات وتحليلات عميقة للمشنا.وكتب الجمارا في مدرستين : إحداهما في فلسطين (لايطرح نقاشات مطولة) والاخر في بابل (يطرح نقاشات مطولة) لذلك هناك مايسمى بلتملود الفلسطيني والتلمود البابلي.

صراع نبي الله عيسى لنهج التقليد

بعد غياب وصي نبي الله موسى (ع)، تولى الأحبار والحاخامات القيادة الدينية وظهَرَ كتاب «التلمود» المبني على آرائهم واجتهاداتهم الفردية. ومع الأجيال، أُعطي التلمود (قول العلماء) سلطةً حاكمة على التوراة (كلام الله)، وأصبح يُدرس ويُقلَّد دون تمحيص.

بعث نبي الله عيسى (ع) في فترة كانت متوغله فيها التلمود الجامعة لاراء الفقهاء ,وكان من أبرز الطوائف اليهودية التي حاربها نبي الله عيسى هم “الفريسيون” و “الصدوقيون”، واستنكر نبي الله عيسى (ع) أشد الاستنكار تقليد العوام لآراء علمائهم التي حَرَّفت رسالة موسى (ع) واستبدلت بها وصايا البشر.

ذكر في الإنجلــــــــــيل:

جاء يسوع كتبة وفريسيون الذين من اورشبيم قائلين: لماذا يتعدى تلاميذك تقليد الشيوخ. فإنهم لايغسلون ايديهم حينما ياكلون الخبر. فاجاب وقال لهم: وأنتم أيضا لماذا تتعدون وصية الله بسبب تقليدكم

المصدر : إنجيل متى 15:1-10

وجاء في التلمود النص التالي :

“من احتقر أقوال الحاخات استحق الموت أكثر ممن احتقر أقوال التوراة، ولا خلاص لمن ترك تعاليم التلمود واشتغل بالتوراة فقط، لأن أقوال علماء التلمود أفضل مما جاء في شريعة موسى,وهي أفضل من أقوال الأنبياء”

مصدر:الكنز المرصود في قواعد التلمود ص٥٠-٥٣

أعداء الإمام المهدي من المقلــــــــــــــــــدون

وهذا يوصلنا إلى تأمل مدى الترابط بين الإمام المهدي والنبي عيسى (عليهما السلام)، وحقيقة أن خصمهما واحد؛ والمتمثل في صنمية الآراء والتقليد الأعمى لفقهاء العصر، وهو المنهج الذي سيحاربه الإمام في فترة الظهور وفق ما بينته الروايات.

عن الإمـــــــــام(ع)قال:

إذا خرج القائم ينتقم من أهل الفتوى بما لا يعلمون. فتعسا لهم و لأتباعهم!

المصدر: إلزام الناصب ص 195

عن الإمام الباقر (ع):

“ويسير إلى الكوفة(الإمام المهدي)، فيخرج منها ستة عشر ألفا من البترية، شاكين في السلاح، قراء القرآن، فقـهاء في الديـــن ، قد قرحوا جباههم، وشمروا ثيابهم، وعمهم النفاق، وكلهم يقولون: يا بن فاطمــة، ارجـع لا حاجتة لنا فيـك.

مصدر:دلائل الامامة - الطبري ( الشيعي) - الصفحة ٤٥٦

التقليد في الأمور التعبدية محرم لدى أهل البيت

حاول الأصوليون التفريق بين التقليد في “الأصول العقائدية” والتقليد في “الأحكام الفرعية التكليفية” بقولهم تحريم النوع الاول وتحليل النوع الثاني، غير أن روايات أهل البيت (ع) تشير إلى حرمة التقليد مطلقاً؛ بدليل استشهاد الإمام الصادق (ع) بذمّ اتباع اليهود لأحبارهم الذين حرّموا الحلال وأحلّوا الحرام، وهو عين ما يمس الشؤون الفقهية والحياتية كالصلاة والزواج والطلاق وغيرها.

وتتضافر النصوص الشريفة –ككلمات أمير المؤمنين (ع)– في تحريم التقليد؛ لكونه يجر الشخص إلى إتباع استحسان ورأي العلماء وابتداع الأحكام، مما يؤدي إلى انحراف التشريع وتزييف الأحكام التعبدية ذاتها لا العقائد فحسب.

عن الإمام علي أمير المؤمنين(ع):

أيها الناس إنما بدء وقوع الفتن أهواء تتبع ، وأحكام تبتدع ، يخالف فيها كتاب الله ، يقــلد فيها رجال رجالا.

مصدر: بحار الأنوار -ج2-ص315

عن الإمام الصادق(ع)

إياكم و التقليد فإنه من قلد في دينه هلك إن الله تعالى يقول {اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَ رُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ} فلا و الله ما صلوا لهم و لا صاموا و لكنهم أحلوا لهم حراما و حرموا عليهم حلالا فقلدوهم في ذلك فعبدوهم و هم لا يشعرون

مصدر:تصحيح الاعتقاد – للشيخ المفيد ص : 73

أدلة تحريم التقليد

قال الإمام الصادق(ع): إياك والرئاسة ، فما طلبها أحد إلا هلك... إنما ذلك أن تنصب رجلا دون الحجة فتصدقه في كل ما قال وتدعوا الناس إلى قوله

مصدر:الشيخ الصدوق-معاني الأخبار-الجزء : 1- صفحة : 179

عن الإمام علي أمير المؤمنين(ع): من أخذ دينه من أفواه الرجال أزالته الرجال ، ومن أخذ دينه من الكتاب والسنة زالت الجبال، ولم يزل.

مصدر:وسائل الشيعة-ج27-ص 132

عن أبي جعفر (ع)، في قول الله عز و جل: { وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُونَ } ، قال: نزلت في الذين غيروا دين الله [بآرائهم]، و خالفوا أمر الله، هل رأيت شاعرا قط يتبعه أحد، إنما عنى بذلك الذين وضعوا دينا بآرائهم، فتبعهم على ذلك الناس

مصدر:تفسير البرهان-سوررة الشعراء الاية 224

عن الإمام علي أمير المؤمنين(ع):

أيها الناس إنما بدء وقوع الفتن أهواء تتبع ، وأحكام تبتدع ، يخالف فيها كتاب الله ، يقــلد فيها رجال رجالا.

مصدر: بحار الأنوار -ج2-ص315

عن الإمام الصادق(ع)

إياكم و التقليد فإنه من قلد في دينه هلك إن الله تعالى يقول {اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَ رُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ} فلا و الله ما صلوا لهم و لا صاموا و لكنهم أحلوا لهم حراما و حرموا عليهم حلالا فقلدوهم في ذلك فعبدوهم و هم لا يشعرون

مصدر:تصحيح الاعتقاد – للشيخ المفيد ص : 73

ماهو البديل الشرعي وفق منهج أهل البيت؟

قد يتساءل القارئ: كيف أؤدي تكليفي الشرعي اليوم وأغلب المراجع يتبعون المنهج الأصولي؟ و إن كان التقليد محرم عند أهل البيت (ع) فكيف أعرف أمور ديني؟

التحول إلى العارف بالنص: أمر الإمام المهدي (ع) بالرجوع لـ «رواة الحديث» لا لمن يفتي بالظنون الأصولية. فسؤال العلماء ليس محُرَّماً، وإنما المحرَّم هو التقليد الذي يُوجب اتباع رأي الشخص دون التثبت من النص الشرعي. والرجوع للروايات أمرٌ ميسور؛ إذ إن الأغلبية العظمى من العبادات الرئيسية (كالصلاة والصوم والعمرة) أحكامها صريحة وثابتة في كتب الحديث (كالـكافي والوسائل) ولا تحتاج اجتهاداً أصولياً. وإن شَكُل عليك حكمٌ صعب كالميراث، فاسأل عالماً عارفاً بالأحاديث ليُدلك على “النص الشرعي” كما ورد في رواية عمر بن حنظلة المرفقة؛ فهذه هي الطريقة الصحيحة لسؤال العلماء التي تجنبك التقليد المحرم.

رواية عمر بن حنظلة ، قال سألت أبا عبد الله ( عليه السلام ) :

عن رجلين من أصحابنا يكون بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة أيحلّ له ذلك ؟ قال : من تحاكم إلى الطاغوت فحكم له فإنّما يأخذه سحتاً وإن كان حقّه ثابتاً قلت : كيف يصنعان ؟ قال : انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فارضوا به حكماً فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً.

المصدر: وسائل الشيعة، ج 27، ص 13 | الشيخ حرّ العاملي.

عن الإمام الــــــمهدي(ع):

وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة الله عليهم.

كمال الدين للشيخ الصدوق: ج2، ص440.

عن الإمام الصادق ( عليه السلام )

اعرفوا منازل شيعتنا بقدر ما يحسنون من رواياتهم عنا ، فإنا لا نعد الفقيه منهم فقيها حتى يكون محدثا ، فقيل له : أو يكون المؤمن محدثا ؟ قال : يكون مفهما ، والمفهم محدث .

المصدر: بحار الأنوار -ص82-ج2

التفقه في الدين فرض على كل مسلم ومسلمه

يُبيّن الإمام الصادق (ع) تقسيم الناس قائلاً: «النَّاسُ يَغْدُونَ عَلَى ثَلاَثَةٍ: عَالِمٍ وَمُتَعَلِّمٍ وَغُثَاءٍ، فَنَحْنُ الْعُلَمَاءُ، وَشِيعَتُنَا الْمُتَعَلِّمُونَ، وَسَائِرُ النَّاسِ غُثَاءٌ»؛ فلم يقل: “ومقلدون!”، بل جعل الشيعة كلهم في دائرة «المتعلّمين»؛ فالجاهل حين يسأل عن الحديث ويُرشده الفقيه إليه، يصبح فوراً في دائرة العلم.

التفقه فريضة ولا يُقبل العمل بدونه. ونيل المقامات العالية -لتكون من الـ 313 المقربين للإمام المهدي (ع) – لا يُنال بالتقليد الذي يُلغي العقل ويمنعك من قراءة الأحاديث على زعم بأن يصعب فهمها بدون إستخدام أصول النواصب، وإنما بالكدّ والتفقه المباشر في أحاديث أهل البيت (ع).

عن أبي جعفر عليه السلام:

سارعوا في طلب العلم ، فوالذي نفسي بيده ، لحديث واحد في حلال وحرام ، تأخذه عن صادق-بمعنى الإمام- ، خير من الدنيا وما حملت من ذهب وفضة

المصدر : (المحاسن) ، ص ۲۲۷.

عن الإمام الكاظم (ع):

تفقهوا في دين الله، فإن الفقه مفتاح البصيرة، وتمام العبادة، والسبب إلى المنازل الرفيعة والرتب الجليلة في الدين والدنيا، وفضل الفقيه على العابد كفضل الشمس على الكواكب، ومن لم يتفقه في دينه لم يرض الله له عملاً.

مصدر: تحف العقول: ص410.

عن أمير المؤمنين(ع):
لا خير في عبادة ليس فيها تفقّه

مصدر: ميزان الحكمة، ج3، ص 2459.