كيف تغيرت هوية التشريع في عصر الغيبة الكبرى؟

كيف تغيرت هوية التشريع في عصر الغيبة الكبرى؟

ملاحظة

يعد هذا البحث مكملًا مهمًا للبحث القادم للجزء الثالث من سلسلة سقيفة الغيبة وهو “سنة التقليد الإجتهاد ”. فهذا الجزء يهيئ المرء لتقبل الأدلة التي سوف تطرح في الجزء القادم, وإن كنت غير مهتم للسلسلة فيمكنك قراءة هذا المنشور من دون الحاجة إلى قراءة الأجزاء السابقة.

مقدمة

عانى الوسط الشيعي من فتنة عظيمة بعد حلول الغيبة الكبرى في مسألة إستنباط الأحكام , مما أدى إلى حلول التية للشيعة في طريقة معرفة أحكام الشريعة بعد غياب صاحب الزمان(ع).

قال السيد الخميني:
أنّ هذا الاختلاف الكثير الذي نشاهده بين الفقهاء في الفتوى، لا أظنّ وجوده في عصر الأئمّة عليهم السلام

مصدر:الاجتهاد والتقليد-السيد الخميني-ص79-82

فعلى مدار السنين كانوا الشيعة يعتمدون فقط على الكتاب وأحاديث رسول الله وفي سؤال أهل البيت (ع) ,ولكن مع غياب الإمام (ع) ,لجؤوا إلى إدخال مصادر أخرى غير الكتاب والسنة وجميع هذه الطرق أخذت من أهل الخلاف! فكان “حسن بن عقيل” و “ابن جنيد” أول من أدخلوا مناهج أهل الخلاف للنهج الشيعي, وهـــي:
-الإجماع
-القياس
-علم الرجال
-العقل

قال السيد الخميني:
الاجتهاد بهذا المعنى المتعارف في زماننا ، لم يكن في الصدر الأول

مصدر:الإجتهاد والتقليد-ص48

قال الشيخ محمد الفاضل اللنكراني‏ في مقدمة كتاب سيد الخميني:
الظاهر أن أوّل من اعتمد على علم الاصول في مقام الاستنباط و استند إليه الشيخ الجليل حسن بن علي بن أبي عقيل.....في ابتداء الغيبة الكبرى، ثم اقتفى أثره و نهج منهجه ابن الجنيد المعروف بالإسكافي.

المصدر :مناهج الوصول‏ -ج1-ص13

فكما قال السيد محمد باقر الصدر بأن أهل الخلاف هم أول من إبتدع علم الاصول ووضعوها بديل عن إتباعهم لاهل البيت (ع) .
وبدخولها للوسط الشيعي سببت إنقسام كبير ودموي بين الشيعة ناتج عن صراع فرقة الأصوليين وفرقة الأخبارية التي تنكر إستخدام أصول أهل الخلاف.

قال السيد محمد باقر الصدر -وهو من اعلام الاصوليين-:
فإن التاريخ يشير إلى أن علم الأصول ترعرع وازدهر نسبيا في نطاق الفقه السني قبل ترعرعه وازدهاره في نطاقنا الفقهي الامامي، وذلك لان المذهب السني كان يزعم انتهاء عصر النصوص بوفاة النبي(ص)....وأما الامامية فقد كانوا وقتئذ يعيشون عصر النص الشرعي لان الامام امتداد لوجود النبي... ولهذا نجد أن الامامية بمجرد ان انتهى عصر النصوص بالنسبة إليهم ببدء الغيبة ... تفتحت ذهنيتهم الأصولية وأقبلوا على درس العناصر المشتركة.

المصدر :مناهج الوصول‏ -ج1-ص13

والآن فالنتعرف على هذه الأصول وما موقف أهل البيت (ع) منها.

تعريف أصول الفقة

العقل

(1

تعريفه وأنواعه

تعريف:التشريع من خلال العقل له أنواع ومسميات كثيرة ولكن من أشهر أنواعه عند أهل الخلاف بإسم “الإستحسان” وهو: أن يحكم الفقية وفقًا لما رآه عقله حسنًا ومال له هواه بزعم منهم إن العقل بفطرته ينبذ القبيح ويحب الحسن.

التشريع من خلال العقل كمثل غيره, اخذ من أهل الخلاف ولكن علماء الشيعة طبقوه تحت مسميات أخرى :

  • الشهرة الفتوائية: اشتهار فتوى معينة ما بين الفقهاء دون استناد إلى دليل شرعي ,قد تصل درجة هذه الشهرة إلى أن يقوم الفقيه بتقديمها على “الرواية الصحيحة”

  • الذوق الفقهي:هو اعتماد الفقيه على قناعته الشخصية (وجدانه) وسنوات تفقهه للحكم على مسألة ما عند فقدان الدليل الشرعي، بزعم انسجامها مع ‘روح الشريعة’

أدلة تحريم التشريع من خلال العقل

عن أمير المؤمنين الإمام علــــــــي (ع)
فيا عجبا! و ما لي لا أعجب عن خطأ هذه الفرق على اختلاف حججها في دينها، لا يقتصّون أثر نبي، و لا يقتدون بعمل وصيّ يعملون في الشبهات، و يسيرون في الشهوات، المعروف فيهم ما عرفوا، و المنكر عندهم ما أنكروا، [مفزعهم] في المعضلات إلى أنفسهم، و تعويلهم في المبهمات على آرائهم، كأن كل امرئ منهم إمام نفسه، قد أخذ منها فيما يرى بعرى وثيقات و أسباب محكمات؟

مصدر: نهج البلاغة: 143- 144/ الخطبة: 88

عن الإمام السجاد ( عليه السلام )
إن دين الله لا يصاب بالعقول الناقصة ، والآراء الباطلة ، والمقاييس الفاسدة ، ولا يصاب إلا بالتسليم

مصدر:مستدرك الوسائل -ج : 17 -ص: 262

القياس

(2

تعريفه وأنواعه

تعريف:هو محاولة استخراج حكم شرعي لمسألة جديدة لانص عليها من خلال مسألة قديمة مشابة ورد فيها نص.

على الرغم من تحريم مراجع الشيعة للقياس إلا إنهم يبيحون أنواع من القياس كمثل :

  • قياس منصوص العلة
  • قياس الاولوية
  • قياس المنطقي
  • تنقيح المناط

أدلة تحريم القياس

عن سماعة بن مهران عن ابي‌الحسن عليه السلام قلت:
يرد علينا الشي‌ء الصغير ليس عندنا فيه شي‌ء فينظر بعضنا الى بعض و عندنا ما يشبهه فنقيس على أحسنه؟ فقال: وما لكم وللقياس؟ انما هلك من هلك من قبلكم بالقياس

مصدر:الكافي -ج1-ص144

عن الإمام الصادق (ع):
“إن السنة لا تقاس, ألا ترى أن امرأة تقضي صومها ولا تقضي صلاتها؟ يا أبان إن السنة إذا قيست محق الدين.”

مصدر:الكافي -ج1-ص146

عن الإمام الصادق (ع) لابي حنيفة:
“لا تقِس؛ فإن أول من قاس إبليس حين قال: «خلقتني من نار وخلقته من طين» فقاس ما بين النار والطين، ولو قاس نورية آدم بنورية النار، عرف فضل ما بين النورين.”

مصدر:الكافي -ج1-ص148

عن الإمام عليه السلام:
“أقسم -الله-بعزته لا يقيس أحد في دينه إلا قرنه مع عدوه إبليس في أسفل درك من النار”

مصدر:علل الشرائع-ج1-ص62

عن الإمام علي أمير المؤمنين (ع):
”أما لو كان كان الدين بالقياس,لكان باطن الرجلين أولى بالمسح من ظاهرهما”

مصدر:بحار الأنوار-ج2-ص84

الإجماع

(3

تعريفه وأنواعه

تعريف:اتفاق المجتهدين من امه محمد (ص) في عصر على حكم شرعي, على زعم إن أمة محمد(ص) إستحاله أن تجتمع على باطل.

ذكر عند أهل الخلاف بأسماء كثيرة ولكن عند الشيعة هم نوعان:

الإجماع في زمن الإمام:العبرة ليست بكثرة أقوال الفقهاء أو إجماعهم بذاته، بل إن الحجة هي في قول المعصوم وحده. فلو أجمع كل فقهاء العصر على أمر وكان الإمام معهم، فالحجة قائمة بقوله هو لا باتفاقهم.

الإجماع في زمن الغيبة: هو إجماعٌ يسقط الاحتجاج به لتعذر الوصول إلى قول المعصوم, ولكن ابتكروا العلماء لطريقة معرفة إتفاق الإمام مع العلماء وقت الغيبة ذكرها المحقق المظفر في كتابه (أصول الفقة -ج3-ص113 إلى117) وكلها تعتمد على الحدس والظن:
-طريقة الحدس
-طريقة قاعدة الطف الإلهي
-طريقة الحس
-طريقة التقرير

تصريحات علماء الشيعة على الإجماع

أكثر علماء الشيعة يصرحون بأن “الإجماع” وضع في نهج الشيعة فقط مسايرة مع أهل الخلاف!

قال الشريف المرتضى:
أنا لسنا نادين بالحكم بحجية الإجماع حتى يرد كونه لغواً وإنما بدأ بذلك المخالفون وعرضوه علينا فلم نجد بداً من موافقتهم عليه

الفصول الغروية في الأصول الفقهية - الشيخ محمد حسين الحائري - ص ٢٤٣.

قال الحر العاملي:
ولا يخفى أن أدلة حجية الإجماع غير تامة وتحققه خصوصاً في زمان الغيبة متعذر...وكل ما هو مذكور في هذا البحث في كتب الأصول، فهو من العامة لا دليل عليه ولا وجه له أصلاً

الفصول المهمة في أصول الأئمة - الحر العاملي - جـ ١ - ص ٥٥٣.

قال الشيخ محمد مهدي شمس الدين
أن الشيعة الإمامية أدخلوا مصطلح الإجماع في أصولهم التي تأخر تدوينها وربما تأسيسها عن أصول أهل السنة، متأثرين بمنهج البحث الأصولي عند أهل السنة، وربما استجابة لمقتضيات الحوار والجدل الكلامي

الاجتهاد والتقليد - الشيخ محمد مهدي شمس الدين - ص ٢٨.

قول الشيخ محمد رضا المظفر
أما الإمامية فقد جعلوه أيضاً أحد الأدلة على الحكم الشرعي... مجاراة للمنهج الدراسي في أصول الفقه عند السنيين

المصدر: أصول الفقه - الشيخ محمد رضا المظفر - جـ ٣ - ص ١٠٣.

السنة النبوية (علم الرجال)

(4

تعريفه وأنواعه

تعريف:هو علم يهتم بدراسة أحوال الرواة (الأشخاص الذين نقلوا الأحاديث عن النبي (ص) أو عن الأئمة)، وذلك من خلال البحث في سيرهم لمعرفة مدى ثقتهم وصدقهم.

لقد اتضح لي -من خلال تتبعي لهذا العلم لسنوات- أنه يعتمد بشكل كبير على الظن واتباع الهوى. ولعلّ أكبر إشكالات هذا العلم -والتي أشار إليها الإمام علي (ع)- هي:

  • جهل الناس ببواطن الرواة:فمن الصعب التيقن مما إذا كانوا صالـــــــحين، أم أنهم يخفون الكفر ويتعمدون الكذب فيتم الحكم عليهم بالصلاح ظاهريا ”بالظن”..
  • خضوع الرواة لهوى السلاطين:حيث كانوا لا يروون إلا ما يرغب السلاطين في سماعه فيتعمدون الكذب, وبسبب قربهم من الحاكم يتم توثيقهم.

عن الإمام علي أمير المؤمنين (ع):
إن في أيدي الناس حقا وباطلا، وصدقا وكذبا، وناسخا ومنسوخا، وعاما وخاصا، ومحكما ومتشابها، وحفظا ووهما... وإنما أتاكم الحديث من أربعة ليس لهم خامس: رجل منافق يظهر الإيمان، متصنع بالإسلام لا يتأثم ولا يتحرج أن يكذب على رسول الله (ص) متعمدا، فلو علم الناس أنه منافق كذاب، لم يقبلوا منه ولم يصدقوه، ولكنهم قالوا هذا قد صحب رسول الله (ص) .. ثم بقوا بعده فتقربوا إلى أئمة الضلالة والدعاة إلى النار بالزور والكذب والبهتان فهذا أحد الأربعة.

للحديث تكملة

مصدر: أصول الكافي-ج1 - ص 62

تصريحات علماء الشيعة على علم الرجال

هذه تصريحات من علماء الشيعة يذكرون فيها إن علم الرجال علم مستحدث أخذ من كتب أهل الخلاف ولم يكن له وجود عند الشيعة.

قال السّيد محسن الأمين العامليّ:
اعلم أنّ تقسيم الحديث إلى أقسامه المشهورة، كان أصله من غيرنا و لم يكن معروفا بين قدماء علمائنا ... و أوّل من استعمل ذلك الاصطلاح: العلّامة الحلّي، فقسّم الحديث إلى: الصّحيح، و الحسن، و الموثّق، و الضّعيف، و المرسل، و غير ذلك. و تبعه من بعده إلى اليوم.

المصدر:اعيان الشيعة-محسن امين-ج5-ص401

قال الحر العاملي:
اعلم أنّ تقسيم الحديث إلى أقسامه المشهورة، والاصطلاح الجديد موافق لاعتقاد العامة واصطلاحهم,بل هو مأخوذ من كتبهم كما هو ظاهر بالتتبع ... وقد أمرنا الأئمة عليهم السلام باجتناب طريقة العامة.

المصدر:وسائل الشيعة-ج20-ص110

قال الحر العاملي:
أن هذا الاصطلاح مستحدث في زمان العلامة ، أو شيخه أحمد بن طاووس كما هو معلوم ، وهم معترفون به ، وهو اجتهاد وظن منهما فيرد عليه جميع ما مر في أحاديث الاستنباط والاجتهاد والظن في كتاب القضاء وغيره ، وهي مسألة أصولية لا يجوز التقليد فيها ولا العمل بدليل ظني اتفاقا من الجميع

المصدر:وسائل الشيعة-ج20-ص102

أدلة تحريم القياس

نرى أهل البيت (ع) يأمرون بعكس قواعد علم الرجال تماما, فهم لم يقولوا لك بتكذيب الحديث من خلال علم مبني على الظن وحتى إنهم عالجوا مشكلة معرفة صحة الحديث في حالة غياب الإمام!
وحتى الروايات التي على زعم إنه يرويها مغالي ,حرموا أهل البيت تكذيب كل أحاديثهم فلعلهم يرون خبرا فيه شيئا من الصحة .

عن أبي بصير ، عن أحدهما (ع) قال :
لا تكذبوا الحديث إذا أتاكم به مرجئ ولا قدري ولا حروري ينسبه إلينا ، فإنكم لا تدرون لعله شئ من الحق فيكذب الله فوق عرشه

مصدر: المحاسن ج 1-ص231- الشيخ أبي جعفر أحمد بن محمد بن خالد البرقي

الحارث بن المغيرة عن أبي عبد الله عليه السلام قال:
إذا سمعت من أصحابك الحديث وكلهم ثقة فموسع عليك حتى ترى القائم فترده إليه.

مصدر:بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٢ - الصفحة ٢٢٤

عن سفيان بن السمط قال : قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام :
جعلت فداك إن الرجل ليأتينا من قبلك فيخبرنا عنك بالعظيم من الأمر فيضيق بذلك صدورنا حتى نكذبه؟ فقال أبو عبد الله عليه‌السلام : أليس عني يحدثكم؟ قال : قلت : بلى ، قال : فيقول : لليل أنه نهار ولنهار أنه ليل؟ قال : فقلت له : لا ، قال : رده إلينا فإنك إن كذبت فإنما تكذبنا.

مصدر:بصائر الدرجات-ص558

عن سماعة بن مهران قال سألت أبا عبد الله (ع):
يرد علينا حديثان واحد يأمرنا بالأخذ به والآخر ينهانا عنه، قال: لا تعمل بواحد منهما حتى تلقى صاحبك فتسأله، قال: قلت: لابد من أن نعمل بأحدهما قال: خذ بما فيه خلاف العامة.

مصدر:بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٢ - ص ٢٢٤

لمن يريد التعرف علـــــــى طريقة تمييز بين الحديث الصحيح والموضوع وفق منهج أهل البيت يمكنكم الإطلاع على هذا المقال في موقعنا الإكتروني تحت قســــــم “عقيدة الشيعــة”

الختام

في الختام أقول إنني لم أكتب هذا البحث إلا لتوعية الشيعة في مصدر الفتوى من أين تأتي ليصونوا دينهم من الفتن ويحذروا ممن يأخذوا أحكام دينهم لحديث الإمام البــــــــــــاقر(ع)

عن الإمام الباقر(ع):
في قوله تعالى(فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ )
قال الإمام(ع):عِلْمُهُ اَلَّذِي يَأْخُذُهُ, عَمَّنْ يَأْخُذُهُ ؟


المصدر:الكافي-ج1-ص49

في هذا البحث تم إختصار العديد من الأمور فلمن يريد القراءة بالتفصيل عن تغير التشريع الشيعي في زمن الغيبة فأنصح جدًا بقراءة كتاب “سقيفة الغيبة” للكاتب ناطق سعيد, ففيه يشرح بالتفصيل كل أصول الفقة التي تستخدم مع فروعها وأنواعها .

تجدوا الكتاب في موقعنا الكتروني
… في قسم الكتب …